في الثالث من يناير 2026، استيقظ العالم على مشهد أعاد للأذهان أسوأ ذكريات القرصنة الإمبريالية؛ عملية "الرمح الجنوبي" التي قادتها واشنطن لاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. لم تكن هذه العملية "إنفاذاً للعدالة" كما زعم دونالد ترامب، بل كانت غزوة لصوصية واضحة تستهدف حزام "أورينوكو" النفطي، حيث تقبع أكبر احتياطيات الخام في الكوكب. هي ذات الحجج الواهية التي دمرت العراق من أجل نفطه، ومزقت ليبيا من أجل ذهبها؛ شيطنة القائد لتبرير نهب موارد الشعب.
ديلسي رودريغيز: صرخة الكرامة في ميرافلوريس
بينما كان البعض يراهن على انهيار الدولة الفنزويلية بمجرد غياب مادورو، برزت ديلسي رودريغيز كصخرة تحطمت عليها أوهام الانقلاب السريع. بتوليها الرئاسة المؤقتة، لم تكتفِ ديلسي بإدارة الأزمة، بل أعلنتها صريحة: "فنزويلا لن تكون مستعمرة لأحد".
لقد اختارت ديلسي طريق "التمرد المقدس" ضد الإرادة الأمريكية، مؤكدة أن السيادة الوطنية ليست سلعة للمقايضة، وأن الدفاع عن موارد البلاد هو خط الدفاع الأول عن كرامة الإنسان اللاتيني. هذا الصمود هو الرد الحقيقي على غطرسة القوة التي تظن أن الشعوب يمكن "تعيين رؤسائها" عبر صفقات الغرف المظلمة في واشنطن.
خيانة "نوبل": ماريا ماتشادو وبوصلة القدس
في المقابل، تطل علينا المعارضة بوجهها القبيح المتمثل في ماريا كورينا ماتشادو؛ "دمية واشنطن" التي لم تخجل من طلب التدخل الخارجي ضد بلادها. إن انتقاد فكر المعارضة هنا ليس ترفاً سياسياً، بل هو كشف لمخطط تصفية القضية الفلسطينية في القارة اللاتينية.
ماتشادو، "صديقة نتنياهو" والحائزة على نوبل للسلام في مفارقة ساخرة، وعدت بوضوح بنقل سفارة بلادها إلى القدس المحتلة. إن سقوط اليسار في فنزويلا يعني بالضرورة صعود أنظمة تبيع فلسطين مقابل الرضا الأمريكي. فوز ماتشادو هو فوز صافٍ لإسرائيل، وتحويل لفنزويلا من عمق استراتيجي للمقاومة إلى قاعدة أمنية للموساد.
التمرد اللاتيني: طريق تحرير فلسطين
إن دعمنا لخيار اليسار الفنزويلي في الصمود ليس مجرد انحياز أيديولوجي، بل هو إدراك بأن تحرير فلسطين يبدأ من كسر شوكة الهيمنة في كراكاس. فنزويلا المتمردة هي التي تشغل "رأس الأفعى" الأمريكي في حديقته الخلفية، وهي التي توفر السند الدبلوماسي والمادي لكل من يقول "لا" للاحتلال.
إن نجاح ديلسي في الصمود سيعني فشل استراتيجية "الخنق الاقتصادي"، وهو ما سيشجع دولاً أخرى في الجنوب العالمي على الانضمام لمحور "السيادة والكرامة". هذا التفكك في النظام العالمي الأحادي هو التمهيد الحقيقي والزلزال الذي سيقتلع جذور الاحتلال في بيت المقدس.
علامات التغيير الكبرى
لا يمكن فصل هذا المخاض السياسي عن السياق الروحي والتاريخي؛ فالعالم اليوم يعيش حالة "الجور" التي تسبق الانفجار الكبير للعدل. تحرير فلسطين الذي يلوح في الأفق مع كل فعل تمرد ضد الظلم، ليس مجرد حدث سياسي، بل هو إيذان بنهاية عصر العبودية وبداية عصر جديد قد يكون مقدمة لعلامات الساعة الكبرى التي بشرت بزوال الظلم وعودة الحق لأهله.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق